الاثنين، 3 يناير 2022

 

هذه بعض من مقطوعات أدبية لشعراء من النصارى في مديح سيد الخلق محمد عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم
أستهل ببيتين للشاعر جاك صبري شماس يقول فيهما :

كحَّلت شعري بالعروبة والهوى ولأجل " طه" تفخر الأقلام
أودعت روحي في هيام محمد دانت له الأعراب والأعجام


♦وصفي قرنفلي♦

ولتكن بدايتي بالشاعر السوري وصفي قرنفلي -1911 / 1978 ، الذي لم تتح له متابعة الدراسة ، واكتفى بثقافة شخصية واسعة، وكان في طليعة رابطة الكتاب السوريين ، وصدر له ديوان وحيد بعنوان : وراء السراب .. خاف قرنفلي أن يوصف بمجاملة المسلمين ، أو مداهنتهم لحاجات في نفسه ، فبدأ بالدفاع عن نفسه ، وتبرير مدحه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فيعلن أن طائف الحب طاف به ، فأترع كؤوس الهوى ، والإعجاب بالنبي اليعربي – والعروبة عندهم وشيجة مهمة - فقال :

قد يقولون : شاعرٌ نصراني .. يرسل الحب في كِذابِ البيانِ
يتغنى هوى الرسولِ .. ويهذي بانبثاق الهدى من القرآنِ
ينتحي الجبهة القويةَ يحدوها .. رياءً والشعر ( لا وجداني )
كذبوا – والرسولِ – لم يجرِ يومًا .. بخلاف الذي أكن لساني
ما تراءيتُ بالهوى بل سقاني طائفٌ .. من الحب والهوى ما سقاني
أوَعارٌ على فتىً يعربي أن .. تغنى بالسيد العدناني ؟!
أوليس الرسول منقذَ هذا الشرق .. من ظلمة الهوى والهوانِ ؟
أفكُنا لولا الرسول سوى العبدان .. بئست معيشة العبدان ؟!
أو ليس الوفاء أن تخلِص المنقذ .. حبًّا إن كنت ذا وجدان ؟!
فالتحيات والسلام أبا القاسم .. تُهدى إليك في كل آن !



♦جورج صيدح♦
وكتب الشاعر المهجري جورج صيدح قصيدة رائعة في مدح النبي باسم : حراء يثرب ، يستنهض فيه الأمة ، مذكرًا إياها بما بعث النبي صلى الله عليه وسلم من الحمية ، والهمة ، والأنفة ، مشيرًا إلى تدنيس القدس الشريف ؛ حتى إنه ليقتبس آية من القرآن – من سورة الرحمن تبارك وتعالى – يضمنها القصيدة ، فيقول :

يا من سريتَ على البراق وجُزت أشواط العَنان
آن الأوان لأن تجدّد ليلة المعراج .. آن
عرّج على القدس الشريف ففيه أقداسٌ تهان
ماذا دهاهم ؟ هل عصوْك فأصبح الغازي جبان ؟
أنت الذي علمتهم دفع المهانة بالسنان
ونذرت للشهداء جنات وخيرات حسان
يا صاحبيّ : بأي آلاء النبي تكذبان ؟!




♦جورج سلستي♦

شاعر غير مشهور كثيرًا ، لكنه محب ، منصف ، متفهم ، هو الشاعر المهجري جورج سلستي الذي كان مما كتبه قصيدة : بعنوان ( نجوى الرسول الأعظم ) تموج بالعاطفة والحب ، كأنما كتبت بقلم شاعر مسلم :

أقبلتَ كالحق وضّاحَ الأسارير .. يفيض وجهُك بالنعماء والنور
على جبينك فجرُ الحق منبلجٌ .. وفي يديك جرت مقاليدُ الأمورِ
فرحتَ فينا ، وليل الكفر معتكر .. تفري بهديك أسداف الدياجير
وتمطر البيد آلاءً وتُمرِعها .. يمنًا يدوم إلى دهر الدهاريرِ
أبيتَ إلا سموّ الحق حين أبى .. سواك إلا سموَّ البُطل والزور ِ!

ومما جاء في هذه القصيدة أيضًا – وهو ما لا يصرح به الشعراء غير المسلمين عادة - إقراره بنبوة سيدنا المصطفى صلى الله عليه وسلم ، إذ قال يصف الصحراء العربية التي أطلعت شمس المصطفى عليه الصلاة والسلام :

ما أنتِ بالمصطفى يا بيدُ مجدبةً .. كلا ولا أنتِ يا صحراءُ بالبورِ
أطلعتِ من تاهت الدنيا بطلعته .. ونافستْ فيه حتى موئلَ الحورِ
بوركتِ أرضًا تبث الطهرَ تربتُها .. كالطيبِ .. بثته أفواه القواريرِ
الدين ما زال يزكو في مرابعها .. والنبل ما انفك فيها جدَّ موفورِ
والفضل والحلم والأخلاق ما فتئت .. تحظى هناك بإجلال وتوقيرِ

ويعتذر سلستي عن تقصيره في الوفاء بشعره وكلماته القاصرة – من وجهة نظره – في حق النبي صلى الله عليه وسلم ؛ إذ هو عليه الصلاة والسلام ، صاحب البيان الفذ ، ومالك ناصية جوامع الكلم ، وأفصح من نطق الضاد ، فيقول :

يا سيدي يا رسول الله معذرةً .. إذا كبا فيك تبياني وتعبيري
ماذا أوفيك من حق وتكرمةٍ وأنت .. تعلو على ظني وتقديري ؟!
وأنت ربُّ الأداء الفذ في لغةٍ تشأو .. اللُّغى حسنَ تنميقٍ وتصويرِ
على لسانك ما جن البيان به فذلك .. الشعر يرنو شبهَ مسحور !
آي من الله .. ما ينفك مُعجزُها يعيي .. على الدهرِ أعلام التحاريرِ
تلوتَها فسرت كالنور مؤتلقًا يطوي .. الدنا بين مأهولٍ ومهجورِ !



♦محبوب الخوري الشرتوني♦

ومن شعراء المهجر الشمالي ، الذين كتبوا في رسول الله صلى الله عليه وسلم - رافعًا إياه إلى مستوى النموذج البشري الأتم ، أو مثال البطولة الأوحد - الشاعر محبوب الخوري الشرتوني الذي كتب قصيدة بعنوان : قالوا تحب العرب ؟ يقول فيها :

قالوا تحب العُرْب ؟ قلت : أحبهم .. يقضي الجوارُ عليّ والأرحامُ
قالوا : لقد بخلوا عليك ، أجبتهم .. أهلي وإن بخلوا عليّ كرام
قالوا الديانة ؟ قلت : جيل زائل .. وتزول معْه حزازةٌ وخصامُ
ومحمد .. بطل البرية كلها .. هو للأعارب أجمعين إمام



♦الشاعر القروي♦

ومن أشهر شعراء المهجر الجنوبي يبرز لنا اسم رشيد سليم الخوري الذي اشتهر بالشاعر القروي . وقد صاغ قصيدة بعنوان " عيد البرية " يستحث فيها المسلمين لاستعادة مجدهم القديم منها، ويقرئ رسول الله صلى الله عليه وسلم سلاماته وحبه ، داعيًا إلى التحاب والتآخي بين المسلمين والنصارى ، خدمة لأوطانهم والشرق كله ، فيهتف :

يا فاتح الأرض ميداناً لدولته .. صارت بلادُك ميداناً لكل قوي
يا قومُ هذا مسيحيٌّ يذكّركم لا .. يُنهِض الشرقَ إلا حبُّنا الأخوي
فإن ذكرتم رسول الله تكرمة .. فبلّغوه سلام الشاعر القروي

ويتمنى الشاعر القروي أن يعود عهد المجد في بغداد والأندلس فيقول :

ياحبذا عهد بغداد وأندلسٍ عهد .. بروحى أفدِّى عَودَهُ وذوي
من كان في ريبةٍ من ضَخْم دولته .. فليتلُ مافي تواريخ الشعوب رُوي

وهو نفسه الذي طلب من كل قائد للأمة – وإن كان كلامه موجهًا آنذاك للزعيم الدرزي سلطان الأطرش - أن يقاتلوا أعداء الأمة بسيف محمد ، لا أن يديروا لها خد المسيح - رغم أنه نصراني مؤمن بدينه - فهذا هو ما تُحمى به الأوطان ، ويُدفع به العار ، فيقول :

فتى الهيجاء لا تعتب علينا .. وأحسِن عذرَنا تحسنْ صنيعا
تمرستم بها أيام كنا نمارسُ .. في سلاسلنا الخضوعا
فأوقدتم لها جثثًا وهامًا .. وأوقدنا المباخر والشموعا
إذا حاولتَ رفعَ الضيم فاضرب .. بسيف محمدٍ واهجر يسوعا !



♦خليل مطران في رأس السنة الهجرية♦
ومن غرائب أوهام الكتّاب – الذين ينقل بعضهم عن بعض - أنني قرأت خمس مقالات على الأقل حول شاعر لا وجود ، اسمه مطران خليل مطران ! يقصدون به الشاعر اللبناني المبدع خليل مطران شاعر القطرين ؛ وله سهم أيضًا في الإشادة بالإسلام ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ، إذ كتب قصيدة جيدة تسمى رأس السنة الهجرية يقول فيها :

عانى محمد ما عانى بهجرته .. لمأرب في سبيل الله محمود
وكم غَزاةٍ وكم حربٍ تجشمها .. حتى يعود بتمكين وتأييد
صعبان راضهما : توحيدُ معشرهم .. وأخذُهم بعد إشراك بتوحيد
وبدؤه الحكم بالشورى يتم به ما .. شاءه الله من عدل ومن جود

ويستنخي أبناء مصر ، ويحرضهم تحريضًا على النهوض من عثراتهم الحضارية ، ويدعوهم لاستحياء أمجادهم ، وأداء دورهم الحضاري في قيادة الشرق كله ، ليحق لها أن ترفع رأسها مزهوة بعطاءاتها ، فيقول :

كذا الحياة جهادٌ ، والجهادُ على قدر .. الحياة ، ومن فادى بها فودي
أبناء مصرٍ عليكم واجبٌ جللٌ .. لبعث مجدٍ قديم العهد مفقودِ
فليرجع الشرقُ مرفوع المقام بكم .. ولْتَزْهُ مصر بكم ، مرفوعةَ الجيد
ما أجمل الدهر .. إذ يأتي وأربعُنا .. حقيقة الفعل والذكرى بتمجيد !

ولخليل مطران قصيدة احتفالية أخرى شارك فيها المسلمين ، عنوانها : عظة العيد الهجري ، يمدح فيها ويُكبِر الهلال - رمز الإسلام ، أو هو الرسول صلى الله عليه وسلم نفسه - فيقول :

سلام على هذا الهلال من امرئ .. صريح الهوى ، والحر لا يتكتم
سلام وتكريم .. بحق كلاهما .. وأشرف من أحببتَه من تكرم
هويتك إكبارًا لمن أنت رمزه من .. المأرب العلوي لو كان يفهم



♦مارون عبود♦

ويكتب الشاعر اللبناني مارون عبود مطولة كبيرة في مدح النبي صلى الله عليه وسلم يقول فيها :

لولا كتابُك ما رأينا معجزًا .. في أمةٍ مرصوصة البنيانِ
حملت إلى الأقطار من صحرائها .. قبسَ الهدى ومطارفَ العمرانِ
هادٍ يُصوَّر لي كأن قوامه .. متجسدٌ من عنصر الإيمان



♦إلياس فرحات♦

أما الشاعر الشهير إلياس فرحات فيقول في قصيدته : يا رسولَ الله ، مادحًا ومنبهًا ، ومشيرًا إلى أنه جاء سراجًا منيرًا ظلام الدنيا المدلهم ، ليخرج الأعراب الجفاة من حمأة البداوة والجفاء ، ويطالب بأن يتعرف الناس على الإسلام ، ليتعرف على معالم الدين ، ثم يستصرخ ، ناعيًا التضليل الذي ترتكس فيه الأمة ، والجهل العاتي الذي يكتسحها ، مطالبًا بالعلم والقوة ، حلاًّ لتردي حال الأمة ، فيقول :

غَمَرَ الأَرْضَ بِأَنْوَارِ النُّبُوَّةْ كَوْكَبٌ لَمْ تُدْرِكِ الشَّمْسُ عُلُوَّهْ
لَمْ يَكُدْ يَلْمَعُ حَتَّى أَصْبَحَتْ تَرْقُبُ الدُّنْيَا وَمَنْ فِيهَا دُنُوَّهْ
بَيْنَمَا الكَوْنُ ظَلاَمٌ دَامِسٌ فُتِحَتْ فِي مَكَّةَ لِلنُّورِ كُوَّةْ
وَطَمَى الإِسْلاَمُ بَحْرًا زَاخِرًا بِأَوَاذِيِّ الْمَعَالِي وَالفُتُوَّةْ
مَنْ رَأَى الأَعْرَابَ فِي وَثْبَتِهِمْ عَرَفَ البَحْرَ وَلَمْ يَجْهَلْ طُمُوَّهْ
إنَّ فِي الإِسْلاَمِ لِلْعُرْبِ عُلاً إنَّ فِي الإِسْلاَمِ لِلنَّاسِ أُخُوَّةْ
فَادْرُسِ الإِسْلاَمَ يَا جَاهِلَهُ تَلْقَ بَطْشَ اللهِ فِيهِ وَحُنُوَّهْ
يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّا أُمَّةٌ زَجَّهَا التَّضْلِيلُ فِي أَعْمَقِ هُوَّةْ
ذَلِكَ الجَهْلُ الذِي حَارَبْتَهُ لَمْ يَزَلْ يُظْهِرُ لِلشَّرْقِ عُتُوَّهْ
قُلْ لأَتْبَاعِكَ صَلُّوا وَادْرُسُوا إِنَّمَا الدِّينُ هُدَىً وِالْعِلْمُ قُوَّةْ




♦عبد الله يوركي حلاق♦

وللشاعر السوري عبد الله يوركي حلاق مؤسس مجلة الضاد في حلب ، قصيدة بعنوان : قبس من الصحراء ، يشيد فيها بالرسول الأعظم صلى الله عليه الله عليه وسلم ، الذي حمل لواء الديانة الإسلامية ، ونقل العرب من غياهب الجهل والتخلف إلى فضاء العلم والنهضة ، وتكلَّلت أفعاله بالمجد والسمو والرفعة والإباء ، وهو يحطِّم أوثان الشر والفساد والكفر ، ولا ينسى الشاعر إبراز التضامن والإخاء والألفة :

بعث الشريعة من غياهب رمسِها فرعى الحقوق وفتَّح الأذهانا
أمحمدٌ .. والمجدُ نسج يمينه مجدَّت في تعليمك الأديانا
ولأنه داس الجهالة وانتضى سيف الجهاد ، وحطَّم الأوثانا
فلقد ربينا في ظلال عروبة عرباء .. تشرق عزة وأمانا
ما نحن إلا إخوةٌ نسعى إلى إسعاد أمتنا .. وصونِ حمانا




♦جاك صبري شماس♦
ويطلُّ من الجزيرة السورية من محافظة الحسكة الشاعر جاك صبري شماس الذي تشهد معظم دواوينه الشعرية ، ومقالاته على محبته وولائه للعروبة وإشادته بالدين الإسلامي ، وافتخاره بالقائد العربي العظيم الرسول صلى الله عليه وسلم ، الذي دانت له الدنيا بأقوامها ، وذلك في قصيدته: أوراق اعتمادي ، نقطف بعض أبياتها:

إني مسيحيٌّ أجلُّ محمدًا وأجلُّ ضادًا .. مهدُه الإسلامُ
وأجلُّ أصحاب الرسول وأهله حيث الصحابة صفوةٌ ومقام
كحَّلت شعري بالعروبة والهوى ولأجل " طه" تفخر الأقلام
أودعت روحي في هيام محمد دانت له الأعراب والأعجام




♦إلياس قنصل♦

وأما الشعر إلياس قنصل فيعلن غضبه على الأمة التي تنشغل بالاحتفالات والتهاني والمهرجانات ، مع ما هي فيه من الانكسار ، والوقوع في إسار أعدائها ، فيقول :

أيقبل بعضنا بالتهنئات .. وموطننا المفدى للغزاة
ونحن نساق من خطب لخطب .. يضج لصفده قلب الصفاة

ثم يخاطب رسول الله صلى الله عليه وسلم معتذرًا ، مشيدًا بالقرآن ومن جاء به ، فيقول :

رسولَ الله : عفوَك ؛ إن عذلي .. لتنبيه النفوس الغافلات
كتابك زينة الأجيال تزهو .. بمعجز آيهِ أمُّ اللغات
ودينُك نعمةٌ في الكون ضاءت .. فنوَّرَت النواحي المظلمات
تكرم يا إله العرش واجعل .. بلاد العُرب للعرب الاباة



♦شبلي الملاط♦

أما شاعر الأرز اللبناني شبلي الملاط أحد أبرز الشعراء العرب في النصف الأول من القرن العشرين ، .فينفي عن الإسلام والقرآن دعوى التفريق للأمة ، وشق العصا ، فيقول :

لمن البلاد ؟ أليس من أصحابها .. أنتم ونحن ؟ فما لنا لا نهتدي ؟
حتى متى لا نستفيق ؟! وكلنا .. نحيا وندفن تحت جو أوحد ؟
حتى متى التفريق يلعب دوره فينا .. ونصغي سامعين لمفسد ؟
ويظل مَن بث المفاسد سيدًا .. والصالح الأعمال مغلولَ اليد
ويبيت من تدعو البلاد أئمة .. متشاغلين ببِيعةٍ وبمسجد
والله ما قال المسيح تباغضوا .. حتى نكون ولا كتاب محمد
لكنما أيدي الجهالة بدّلت .. أبناء هذا القطر شر مبدد

ثم يطالب بإنهاء التعصب ، الذي يوقع الأمة في الهوان والمذلة ، فيقول :

وتساهلوا عند الأمور وأعرضوا .. عمن يقول بعيسوِي ومحمدي
ودعوا التعصب إنه الداء الذي .. يقضي عليكم بالهوان السرمدي
ولتشعلوا هذي العواطف وليكن .. كل من الأعياد عيد المولد



♦ميشال المغربي♦

وأما الشاعر ميشال المغربي فيؤكد على العلاقة الأخوية والوطنية والعروبية بين المسلمين والنصارى ، ويؤكد أنه يدعم الإسلام والمسلمين ، فيقول :

الله قدر لي ديناً أقلدهُ عقداً  ..  أبي كان من قبلٍ تقلَّده
وإن جاري له عقدٌ يماثله يضيء  .. ياقوتهُ الغالي وعسجدُه
صنوُ المسيحيةِ الإسلامُ .. أبصره أخٌ لي .. دربه مثلي ومصعده
إني أدير له ليلطمني إن .. كان في لطمه ما قد يمجده
زرعت بالحب أرضي وهي مخصبة .. والحب ما أثمرت فلتجنه يده
والحب ماكان إلا الحب يسكبه .. وليس إلاه من طير يغرده
فيا ابن أمي ذر التفريق ناحية .. فسابق العهد كان الجهل يفسده
وذلك الحقد كان الغرب يزرعه .. وإنه وحده من كان يحصده
أخوك أي الطريق العدل ينهجها .. وليس يعنيك أي النجم يرصده
فما يضيرك ما كانت عقيدته ؟ .. ما زال يعبد ربًّا أنت تعبده
وكان ينطق ضادًا أنت ناطقها .. وما تُردد من شعر .. يردده

 

محمد رسول الله في عيون الشعراء المسيحين: قصيدة وحي البردة للشاعر المسيحي ميخائيل ويردي نموذجا

 

 د.أبوبكر اي كي

 

 القارئ في الشعر العربي يعلم بأن المدائح النبوية قد تطورت غرضا مستقلا او فنا مستقرا عبر العصور في مراقي التطوّر كسائر العلوم والفنون الأدبية. وقد شارك في هذا التطوّروالرقي شعراء كبار حتى لا يوجد شاعر من الشعراء المسلمين إلا وكان أحد أغراض شعره مديح النبي صلى الله عليه وسلم. وليس من الغريب العجيب أن تكون شخصية النبي صلى الله عليه وسلم محل إعجاب او تقدير للمسلمين، لأن هذا أمر طبيعي يتعلق بعقائدهم. ولكن العجيب حقا أن نجد هذا التعظيم والتبجيل لشخصية النبي صلى الله عليه وسلم لدى بعض الشعراء غير المسلمين وعند المسيحيين العرب خاصة في العصر الحديث.

شعراء نصارى العرب مدحوا محمد مصطفى صلى الله عليه وسلم في اشعارهم وقصائدهم، انهم لم يستطيعوا كتمان الحقيقة رغم مخالفتهم لعقائده نطقوا بأحسن الكلمات في حق سيد البشر عليه الصلاة والسلام، وعددهم غير قليل ومن أشهرهم ميخائيل ويردي وقصيدته ’’ وحي البردة ‘‘. وهي قصيدة مشهورة يعتبر اول قصيدة يعارض قصيدة البردة للإمام البوصيري في مدح النبي صلى الله عليه وسلم من شعراء النصارى العرب في العصر الجديد.

ميخائيل بن خليل خير الله ويردي شاعر سوري وموسيقى مشهور الذي عاش في الفترة ما بين (1904-1978) وقد ولد في دمشق وتوفي فيها. وهو في قصيدته يعبر عن انفعالاته ومشاعره بصدق وعفوية بعيدا عن التكلف والتزيد. وجاءت هذه القصيدة في مئة وخمسة وعشرين بيتا.

حيث يبدأ قصيدته:

 أنوار هادي الورى في كعبة الحرم .. فاضت على ذكر جيران بذي سلم

حتى يختم قصيدته:

    صلى الإله على ذكراك ممتدحا .. حتى تؤم صلاة البعث بالأمم

ومطلعها يعرض فيها مآثر العرب والإسلام وما اصطفى الله به رسوله الكريم محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم من مكارم الأخلاق وحميد الصفات وطيب النفس وما جاء به من مبادئ إنسانية وسنن خالدة وما دعا إليه من تعاليم سمحة، لو اتبعها الناس لما ضلوا سواء السبيل، ثم يذكر محاسن الرسول ويعبر عن حبه له والذي يصل به إلى حد العشق ويفخر بممدوحه.

أنى في دراستي هذه أحاولُ ان أبيّن أهمية قصيدة ميخائيل ويردي في مدح أشرف الخلق محمد صلى الله عليه وسلم، مع إلقاء النظر في أهميته وأثره على بعض الشعراء المعارضين المسيحين في قصائدهم في مدح الرسول صلى الله عليه وسلم. وستأدي هذه الدراسة أهمية هذه القصيدة من حيث المضمون وبنائها اللغوي ونسيجها الفني وصورها الشعرية.

االمديح النبوي هو ذلك الشعر الذي ينصب على مدح النبي صلى الله عليه وسلم بتعداد صفاته الخلقية والخلقية وإظهار الشوق لرؤيته وزيارة قبره والأماكن المقدسة التي ترتبط بحياة الرسول صلى الله عليه وسلم، مع ذكر معجزاته المادية والمعنوية ونظم سيرته شعرا والإشادة بغزواته وصفاته المثلى والصلاة عليه تقديرا وتعظيما. ويُظهر الشاعر المادح في هذا النوع من الشعر الديني تقصيره في أداء واجباته الدينية والدنيوية، ويذكر عيوبه وزلاته المشينة وكثرة ذنوبه في الدنيا، مناجيا الله بصدق وخوف مستعطفا إياه طالبا منه التوبة والمغفرة. وينتقل بعد ذلك إلى الرسول صلى الله عليه وسلم طامعا في وساطته وشفاعته يوم القيامة. وغالبا ما يتداخل المديح النبوي مع قصائد التصوف وقصائد المولد النبوي التي تسمى بالمولديات. وتعرف المدائح النبوية كما يقول الدكتور زكي مبارك بأنها فن: "من فنون الشعر التي أذاعها التصوف، فهي لون من التعبير عن العواطف الدينية، وباب من الأدب الرفيع؛ لأنها لا تصدر إلا عن قلوب مفعمة بالصدق والإخلاص"

ومن المعهود أن هذا المدح النبوي الخالص لا يشبه ذلك المدح الذي كان يسمى بالمدح التكسبي أو مدح التملق الموجه إلى السلاطين والأمراء والوزراء، وإنما هذا المدح خاص بأفضل خلق ألا وهو محمد صلى الله عليه وسلم ويتسم بالصدق والمحبة والوفاء والإخلاص والتضحية والانغماس في التجربة العرفانية والعشق الروحاني اللدني. ومعلومٌ لدى أهل الأدب أن ما يقال بعد الوفاة يسمّى رثاء، ولكنه في الرسول صلى الله عليه وسلم يُسمى مدحا.

لا شك في أن هذه المدائح النبوية تعد جسرًا يوصل ماضي الأدب العربي بحاضره، فهي تلعب دورا بارزا في الاتصال بين الأدبين القديم والجديد في التراث الإسلامي والعربي، لأنه لون أدبي يتصف دائما بالعمق في الاصالة والمعاصرة. قد طرأت على هذه المدائح تطورات كثيرة وخاصة في الأدب المعاصر، شأنها شأن سائر الألوان الأدبية الأخرى.

وإذا كانت بدايات مديح النبوي تعود الى أوائل سنوات الهجرة، فان هذا الفن تطور على يد عدد من الشعراء على مر العصور الإسلامية حتى أصبح اليوم فنا قائما بذاته له خصائصه وطرقه، وغدا المديح النبوي يشكل أحد أهم الفنون في المجتمعات الإسلامية الحديثة

ظهر المديح النبوي في المشرق العربي مبكرا مع مولد الرسول صلى الله عليه وسلم منها ما قال عبد المطلب إبان ولادة محمد صلى الله عليه وسلم، ثم قصيدة "طلع البدر علينا" قصيدة انشدها أهل المدينة أنها حدثت عند استكماله الهجرة قادما من مكة، وقصائد شعراء الرسول صلى الله عليه وسلم كقصيدة عينية مشهورة لحسان بن ثابت في الرد على خطيب قريش عطارد بن حاجب، وهمزية حسان رضي الله عنه ايضا مشهورة، وقصيدة كعب بن مالك وعبد الله بن رواحة وكعب بن زهير صاحب البردة المشهورة.

وقد ارتبط مدح النبي صلى الله عليه وسلم في العصر الاموي بمدح أهل البيت وتعداد مناقب بني هاشم وأبناء فاطمة كما وجدنا ذلك عند الفرزدق والشاعر الشيعي الكميت، وأذيع بعد ذلك مع انطلاق الدعوة الإسلامية وشعر الفتوحات الإسلامية إلى أن ارتبط بالشعر الصوفي مع ابن الفارض والشريف الرضي. ولكن هذا المديح النبوي لم ينتعش ويزدهر ويترك بصماته إلا مع الشعراء المتأخرين وخاصة مع الشاعر البوصيري في القرن السابع الهجري، كان من أهم شعراء المديح النبوي ومن المؤسسين الفعليين للقصيدة المدحية النبوية والقصيدة المولدية.

وقد عورضت هذه القصيدة - "البردة للبوصيرى"، من قبل الكثير من الشعراء القدامى والمحدثين والمعاصرين، ومن أهم هؤلاء الشعراء ابن جابر الأندلسي وعبد الله الحموي في القرن التاسع، وفي العصر الحديث من الشعراء البعث والإحياء والتيار الكلاسيكي محمود سامي البارودي وأحمد شوقي وحافظ إبراهيم وآخرون كثيرون، وقد تعاقبت قوافل الشعراء الذين تشرّفوا بمدح نبي الهدى صلى الله عليه وسلم سواءً من المسلمين أو غير المسلمين من أهل الأديان الأُخرى.

ليس عجيبا أن تكون شخصية النبي صلى الله عليه وسلم محل إعجاب وتقدير من المسلمين، لأن هذا أمر طبيعي. ولكن العجيب حقا أن نجد هذا التعظيم والتبجيل لشخص النبي لدى بعض الشعراء العرب في العصر الحديث من غير المسلمين، اما شعراء نصارى الذين مدحوا الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم فلم يستطيعوا كتمان الحقيقة التي علموا عن شخصية النبي صلى الله عليه وسلم رغم مخالفتهم لها فنطقوا بأحسن الكلمات في مدح رسول، والشعراء المسيحيون العرب من العصر الحديث الذين تناولوا في قصائدهم الإسلام ورسوله ينتمي معظمهم إلى سورية ولبنان. ولهم مؤلفات قيمة في مدح الرسول صلى الله عليه وسلم، ونظموا القصائد في تمجيده كالأستاذ خليل جمعة الطوال، والأستاذ خليل إسكندر القبري، والدكتور نظمي لوقا، والأستاذ وصفي الزنفلي شاعر حمص، والأستاذ شلبي ملاّط شاعر الأرز، والأستاذ جورج سلستي، والشاعر اللبناني الأستاذ حليم دموس، والأديب مشيل الله ديردي، والدكتور شبلي شميل، وشاعر الأقطار خليل مطران ، وجورج صيدح، و إلياس قنصل ، ورشيد سليم الخوري الشاعر القروي، ومحمود الخوري الشرتوني، وعبدالله يوركي حلاق، ورياض معلوف، و إلياس فرحات، ومارون عبود، ونقولا فياض، وجاك صبري شماس.  وهم الذين لم يعتنقوا دين محمد -صلى الله عليه وسلم - ولكن أنصفوا نبي الإسلام بعد أن درسوا سيرته دراسة وافية دقيقة، وهم في الحقيقة لم ينصفوا سوى قيم الأمانة والموضوعية والحق، وهي قيم تتطلب من رجالها أن يترفعوا عن التعصب والحقد الموروث، هم الشعراء النصرانيون تفيض أشعارهم سماحة ومحبة عامرة قلوبهم بتقوي الله سبحانه وتعالي معبرة عن حبهم وإجلالهم وتقديرهم لخاتم الأنبياء والرسل محمد صلي الله عليه وسلم، ونطقت على ألسنة هؤلاء الشعراء بالفكر السوي والقريحة الجيدة شهادة الحق للنبي محمد صلى الله عليه وسلم وإن لم يكونوا مسلمين. وهناك نجد في شعرهم تشابه في المضمون لأنهم أبدعوا قصائدهم في مدح النبي على نهج «بردة» البوصيري والبارودي وشوقي.

ويعد الشاعر السوري ميخائيل بن خليل الله ويردي أولَ شاعر مسيحي يعارض قصيدة "البردة"، وقد فتح الباب على مصراعيه أمام شعراء مسيحيين آخرين، ليحذوا حذوه، ويسلكوا مسلكه، ويسيروا على دربه وخطاه، وهو في قصيدته يعبر عن انفعالاته ومشاعره بصدق وعفوية بعيدا عن التكلف والتزيد.

ميخائيل بن خليل خير الله ويردى شاعر سوري وموسيقى مشهور الذى عاش في الفترة ما بين (1904-1978) وقد ولد في دمشق وتوفي فيها. درس مواد التعليم الثانوي على يدي والده، وبعد حصوله على شهادة الدراسة الثانوية بدأ حياته العملية محاسبا في المحلات التجارية، ثم درس الحقوق، وعين خبيرا لدى المحاكم. أتقن فن التصوير الشمسي، وكان مولعا بتعلم اللغات الأجنبية، لذلك كان يتقن التركية والفرنسية واليونانية والروسية، حتى صار من كبار مثقفي عصره. وقد شارك في تأسيس النادي الموسيقي السوري، والرابطة الموسيقية في دمشق، وعين مستشارا موسيقيا في المعهد الموسيقي الشرقي التابع لوزارة التربية.

وقد أسهم كتابه فلسفة الموسيقي الشرقية (1947) في ابراز عدد كبير من جوانب الموسيقى الشرقية، وقدم فيه حلولا موسيقية حول الإشكال في الموسيقى العربية الذي بحث في مؤتمر القاهرة الموسيقي الأول عام 1932 وحاز هذا المؤلف على تقدير منظمة اليونيسكو. كما رشح هذا الكتاب "فلسفة الموسيقى الشرقية" لجائزة نوبل سنة 1951، وقد كرمت وزارة الثقافة والإرشاد القومي السورية ميخائيل ويردي بعد وفاته بتقليده وسام الاستحقاق السوري من الدرجة الأولى تقديرا لخدماته فى مجالات الأدب والموسيقى وما كتب حول أثرهما في السلام.

كما ألف في الموسيقى كتبا أخرى، مثل كتابه: "الموسيقى في بناء السلام" الذي ترجم الى الإنجليزية والفرنسية، و "جولة في علوم الموسيقى العربية"، "وشيء من الموسيقى العربية". وقد ألف عددا من الكتب في مجالات مختلفة، مثل كتابه: "العروبة والسلام" (1951) وترجم الى الإنجليزية، و"الأدب في بناء السلام"، وفوق ذلك كله ديوانه الشعري "زهر الرُّبى " الذي يحتوي على 450 قصيدة، و3905 بيتا، والذي طبعه بعد أن زار مسجد محمد علي بالقاهرة 1946، وأعجب هناك بالفنون الاسلامية.

وافته المنية صباح الجمعة في 8/12/1978 عن عمر يناهز الرابعة والسبعين في منزله بحي المزرعة بدمشق، إذ لم يعرف بموته إلا قلّة من أصحابه ومعارفه، ودفن في مقبرة الروم الأرثوذكس- باب شرقي بدمشق.

قصيدة وحي البردة ‏

وجاءت هذه القصيدة في مئة وخمسة وعشرين بيتا مطلعها يعرض فيها مآثر العرب والإسلام وما اصطفى الله به رسوله الكريم محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم من مكارم الأخلاق وحميد الصفات وطيب النفس وما جاء به من مبادئ إنسانية وسنن خالدة وما دعا إليه من تعاليم سمحة، لو اتبعها الناس لما ضلوا سواء السبيل، ثم يذكر محاسن الرسول ويعبر عن حبه له والذي يصل به إلى حد العشق ويفخر بممدوحه الذي ألهمه هذا الشعر المنزه عن أي غرض.

بنظرة سريعة إلى قصيدة (وحي البُردة) لميخائيل ويردي نجد الشّاعر قد التزم بنهج المعارضات فى المدائح النبوية الشهيرة، ففعل مثلما فعل أسلافه من شعراء المدائح كالبوصيري، والبارودي، وشوقي. فغنّى على قيثارتهم، ونسج على منوالهم. فنراه يذكر موضع (جيران بذي سلَم) وما له من دلالة رمزية تاريخية، فاستهلّها بقوله:

أنوارُ هادى الورى في كعبةِ الحرمِ .. فاضتْ على ذِكرِ جيرانٍ بذى سَلَمٍ

ثمّ ذمّ الدنيا وزخارفها وفتنتها، وعاتب النفس على تقصيرها ولام جنوحها إلى الهوى، ثم دعاها للعودة إلى رشادها وهدايتها:

يا ليتَ أحلامَ عمري لم تضع بدداً .. بحُبِ قصرٍ من الأوهام مُنهَدِمِ

فاربأْ بنفسكَ أنْ تنهار من ألمٍ .. واربأْ بحُسْنِكَ أنْ يربدّ من سأَمِ

ثم عرض الشّاعر ما لاقاه صاحب الرسالة صلى الله عليه وسلم من معاداة قومه له، عندما دعاهم إلى التوحيد، ونبذ عبادة الأصنام فتحمّل الصبر طويلاً في سبيل تبليغ رسالة ربه، حتى أتمّ الدين وأكمل شرائعه على أحسن صورة:

وحَّدْتَ ربّكَ لمْ تُشرِك بهِ أحداً .. ولستَ تسجدُ بالإغراءِ للصنمِ

عاديتَ أهلكَ فى تحطيمِ بدعتهم .. من ينصر اللهَ بالأصنام يصطدِمِ

وينعى الشّاعر أصحاب الحضارات المادية البائدة (كالفراعنة والبابليين والرومان) وكيف آلتْ مآثرهم إلى زوال، وذلك بخلاف حضارة الإسلام الروحية التي مازالت حية معطاءة:

أبناءُ بابلَ أفنتهمْ مآثمها .. وآلُ فرعونَ ما شادوا سوى الهَرَمِ

وتدْمُرٌ ومغانيها غدتْ خِرَباً .. والذّكرُ بالخيرِ غير الذّكر بالإرمِ

يا ليتَ من شيدوها للفناء رأوا .. عُقْبى المباني فأغنتهم عن النّدَمِ

زالوا وزالتْ مع الآثارِ عزتهم .. فإنْ تجادل سلْ التاريخَ واحتكِمِ!

والمُصطَفى خالدٌ فى الناسِ ما بَزَغَت .. أُمُّ النُّجومِ ومَمدوحٌ بِكلِّ فَمِ

كذلك نراه يُلِحّ على الإشارة بإنسانيات الرسول صلى الله عليه وسلم وعاطفته نحو البشر وسائر الكائنات، كما أفاض الشعراء السابقون في الوقوف عند هذا الجانب الإنساني العظيم، فيخاطبه، قائلاً:

ترعى اليتيمَ وترعى كلَّ أرملةٍ .. رعىَ الأبِ المُشْفِقِ الباكى من اليَتَمِ

    كما مدح ويردي خُلُق "الرحمة" الذى هو من أوضح أخلاق النبوة، فقال:

كأنّما قلبهُ ينبوعُ مرحمةٍ .. مستبشِرٌ فرحٌ جذلانُ بالنَسمِ

وقوله أيضا:

وَكُنتَ أَرأفَ بالمسكينِ مِن دُوَلٍ .. رَأت بِأَمثالِهِ سِرْبَاً مِن الغَنَمِ

وقوله كذلك:

فى دينكَ السمحِ لا جنسٌ ولا وطنٌ .. فكل فردٍ أخٌ يشدو على عَلَم

وأبدى الشاعر إعجابه الشديد بمنهج الرسول الدعوى القائم على الموعظة الرقيقة، والمجادلة بالتي هي أحسن، فقال:

أحببتُ دينكَ لمَّا قلتَ أكرمكم .. أتقاكمُ وتركتَ الحُكمَ للحَكَمِ

وقلتَ إنى هُدىً للعالمين ولمْ .. تلجأ إلى العُنفِ بلْ أقنعتَ بالكلِمِ

وقد فطِن الشّاعر إلى سر نجاح الدعوة المُحمّدية، بأنه يكمن في أن سيّد الدعاة وأعظمهم مُحمّد صلى الله عليه وسلم خاطب الناس على قدر عقولهم، فأحبوه، واتبعوه:

خاطبت كل ذكيّ حسب قدرته .. ولم تكن بغبيّ القوم بالبرم

ولم ينس الشاعر ما أسداه رسول الله صلى الله عليه وسلم للمرأة من احتفاء وتكريم، لم تشهد له الدنيا مثيلا، ويشير الى بعض منجزات السياسة المحمدية عندما يخاطب رسول الله – صلى الله عليه وآله-بقوله

عززت كلّ فتاةٍ حين صحت بنا .. ما أولد العزّ غير السادة الحشم

فأنت أولى من نادى بمأثرةٍ .. يظنها الغرب من آلاء بعضهم

كأنما الناس آلاتٌ مبعثرةٌ .. أخرجت منها جميل اللحن والنّظم

ونجد الشّاعر يطلب (الشفاعة) من الرسول صلى الله عليه وسلم فى الآخرة، كما طلبها الآخرون من قبل:

فاجعلْ هواكَ رسولَ الله تلقَ بهِ .. يوم الحسابِ شفيعاً فائقَ الكَرَمِ

ومثلما ختم المادحون قصائدهم بالصلوات المباركات على خاتم الأنبياء، اختتم –أيضا قصيدته بالصلوات والتسليمات على النبي الكريم، فقال:

صلّى الإلهُ على ذِكْراكَ مُمتدِحا .. حتى تؤمّ صلاةَ البعثِ بالأُمَمِ

على جانب آخر، انفردت قصيدة ميخائيل ويردي بقسمات واضحة، فامتازت بميزات فريدة عن مثيلاتها فى هذا الغرض، منها اختلاف الاستهلال، فلمْ يلجأ الشّاعر إلى الغزل كما فعل غيره، إنما دخل فى جوهر الغرض مباشرة، قسّم الشّاعر قصيدته إلى مجموعة من المقاطع، كل مقطع فيها أشبه بلوحة فنية بديعة مستقلة، تتغنّى بجانب من جوانب الكمال والجمال المحمدي. وكلها مترابطة فى وحدة الموضوع والغرض الشريف.

وقد وجه الشاعر الخطاب في كل مقطع الى الممدوح وهو الرسول صلى الله عليه وسلم مادحا صفاته تارة، او مذكرا بجليل افعاله ومواقفه تارة أخرى، او مناديا له بمختلف ألقابه واسمائه، كقوله مثلا "يا أيها المصطفى، ويانبي الهدي، وياهادي الفكر، ويا ازهد الناس، وياأجمل الخلق، وياعبقري الوري الأمي، ويا فخر أمتنا، ويا سيد المصلحين العرب والعجم، ويا نفحة من جنان الخلد" وغير ذلك كثير.

وامتازت هذه القصيدة برقّة وعذوبة لا مثيل لها، فلمْ يلجأ الشّاعر إلى غريب الألفاظ، بلْ جاءت تراكيبه عصرية سهلة، لا تُحوِج القارئ أوْ المستمع إلى السؤال عنها، كما جاء المبنى متسقا مع المعنى، مما أضفى على القصيدة موسيقى عذبة جميلة، خاصة أنه كان من علماء الموسيقى وعشّاقها، وقد ظهر أثر ذلك في مخاطبته للرسول صلى الله عليه وسلم فى قوله:

كأنما الناسُ آلاتٌ مبعثرةٌ .. أخرجتَ منها جميلَ اللحنِ والنُّظُمِ

ولولا بيت واحد يتيم في القصيدة، ألمح فيه الشّاعر إلى عقيدته، لما عرفنا أنها من إبداع شاعر نصراني. وهو البيت الذي يقول فيه:

يا أيها المسلمون الفخرُ فخركمُ .. ونحنُ إخوانكم في النُّطْقِ والعَلَمِ

ولمّا كان الإبداع عاكسا لطبيعة صاحبه ونفسيته، فإن هذه القصيدة تكشف عن موهبة شاعرية خلاّقة، ومهارة فنية بارعة، وروح متشبعة بالايمان، وعقلية منفتحة واعية، لا ندرى ما الباعث أوْ ما الموقف الذى ساق إلى كتابة هذه القصيدة التى يبدو أنها استغرقت معه زمناً طويلا حتى خرجت على هذا النحو الفائق البديع؟!

 

الشاعر ، أميِّن عون لبزّ الصويعي  ( ماتبركش تربح يا جَمَلّ ) ،

♦ما تبركش تربح يا جملّ .. محتاجين لك رانا ألكُلّ

ما تحني أركابك .. ما تواطيش خشمك لي ترابك
أرفع رقبتك عانق سحابك .. خلِّي ذروتك زي الجَبَلّ
نفَّض غبرتك حرَّك اجنابك .. إنتل نتل خُفَّك م الوحلّ
اعلن ثورتك جدَّد شبابك .. ما تقعدش تبحث ع الّسبِلّ
راهي الناس تعبت في غيابك .. خمس سنين مالاقوش حلّ
همَّ الوطن ديره في حسابك .. أرزم نوض ما تشدَّك اعقّلّ
قاعد قدع ماكش في عقابك ، غير الوقت دايرلك خللّ
ما تبركش تربح يا جملّ .. محتاجين لك رانا ألكلّ

♦ما تبركش قُوم .. لجل الناس يا سيَّد القوم
وطنك راح يا ناري حموم ..  بين المجحشه وبين البغلّ
فيه الناس تدفع في الرسوم .. دمّ وجوع تهجير وسفلّ
فيه الناس ماليهاش سوم ..  ما تسواش لو كيلوا بصلّ
فيه أطفال عبُّوهم سموم .. ، فيهم فكر بن لادن دخلّ
فيه شباب غاطس في الهموم .. ونصفه راح في الجبهة كملّ
ونساوين ما تشبحش نوم .. فاها الخوف ياكل ع المهلّ
وشيابين تشبح في النجوم .. فعزّ الضهر يا والله ذلّ
فيه سجون مليانة جموم .. ومساجين مربوطه بتلّ
مفرومين فرمان اللحوم .. والسجَّان بالدمّ اغتسلّ
وفيه النفط عايش ع الهجوم ..  والجظران لبريقه أحتلّ
إن كان تلوم منهو الِّلي تلوم.. تلوم الفقر وتلوم الجهلّ ؟!
وإلَّا تلوم من جايب الروم ..  والا منو بالعازه قبلّ
هذا حالنا زايد اللوم ..  كلّ الشعب عايش في العسلّ
هاهو فيه يجَّلطم يعوم ..  إنتاج مليشيا ما هو نحلّ
يا دمدوم ما تقعد تزوم .. بالك هِمّ ما ترومش الظَلّ
أهدر هدرتك شقّ الغيوم .. ومن ياراك يحسابك اغولّ
شيل الظلم ومنابر البوم ..  وللطغاة ما تخلِّي شتلّ
أعفس كل متغطرس مشوم .. ماتخلِّيش في الساحات صَلّ
أكبر نوض ما ينفعش نوم ..  نومك أبد ما يحرّكش غلّ
يبلك ذاهبه هاهي تهوم.. في لابال ما عادتش بلّ
وكيف تعود ومراحك تروم ..  وهيَّا اتدور ما ليها فحلّ

ما تبركش تربح يا جَمَلّ ..  محتاجين لك رانا ألكلّ

♦ ( الجَمَل هنا المقصود به  الوطن ) ♦